ابن الأثير
481
الكامل في التاريخ
وأصبح النّاس ليلة الهرير - وتسمّى ليلة القادسيّة من بين تلك اللّيالي - وهم حسرى لم يغمّضوا ليلتهم كلّها . فسار القعقاع في النّاس فقال : إنّ الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم ، فاصبروا ساعة واحملوا ، فإنّ النصر مع الصبر . فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء « 1 » وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح . فلمّا رأت ذلك القبائل قام فيها رؤساؤهم وقالوا : لا يكوننّ هؤلاء أجدّ في أمر اللَّه منكم ، ولا هؤلاء ، يعني الفرس ، أجرأ على الموت منكم . فحملوا فيما يليهم وخالطوا من بإزائهم فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة ، فكان أوّل من زال الفيرزان والهرمزان فتأخّرا وثبتا حيث انتهيا ، وانفرج القلب وركد عليهم النقع وهبّت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق ، وهي دبور ، ومال الغبار عليهم ، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال فهي واقفة ، فاستظلّ في ظلّ بغل وحمله ، وضرب هلال بن علّفة [ 1 ] الحمل الّذي تحته رستم فقطع حباله ووقع عليه أحد العدلين ، ولا يراه هلال ولا يشعر به ، فأزال عن ظهره فقارا ، وضربه هلال ضربة فنفحت مسكا . ومضى [ رستم ] نحو العتيق فرمى بنفسه فيه ، واقتحمه هلال عليه وأخذ برجليه ثمّ خرج به فضرب جبينه بالسيف حتى قتله ، ثمّ ألقاه بين أرجل البغال ثمّ صعد السرير وقال : قتلت رستم وربّ الكعبة ! إليّ إليّ ! فأطافوا به وكبّروا ، فنفّله سعد سلبه ، وكان قد أصابه الماء ولم يظفر بقلنسوته ، ولو ظفر بها لكانت قيمتها مائة ألف . وقيل : إنّ هلالا لما قصد رستم رماه رستم بنشّابة أثبت قدمه بالركاب ، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ثمّ احتزّ رأسه وعلّقه ونادى : قتلت رستم !
--> [ 1 ] علقمة . ( 1 ) . الغلبة . dda . B